
رسالة مائية غاضبة
"للرجل العظيم قلبان..قلب يتألم ..وقلب يتأمل"
( مهداة الى الصحفيين الشهيدين طارق أيوب،ومازن دعنا.و....وغيرهما).
كان من عادته اذا اصابته أزمة أو أسقطته عاصفة،أن يدفن نفسه فى القلم،حيث المرفأ، وحيث الأمان ،على شاطىء البحروقف ،حيث الرعد والبرق ومعهما العواصف الهوجاء التى تستعد للاطاحة به جلس، شعر بالبرودة تسرى فى أوصاله، أحكم كوفيته حول عنقه،أمسك قلمه والى حيث لا مجال للجفاف والبرد والجليدمضى يكتب..........
الى الواقفين على الشواطىء ،والعاملين فى الموانىء،والمبحرين فى السفن والمراكب، والسابحين فى البحر،والجالسين وسط الأمطار والعواصف لأنهم لايجدون سقفا يحتمون به منها، والى أؤلئك المحتمين فى كبائنهم ،الى كل هؤلاء اقرءوا الفاتحة على روح والدى، ادعوا له بالرحمة والمغفرة فلقدمات ،قتل استشهد ان يوم"26مايو"سيبقى يوما خالدا فى سجلى التاريخى ، فهويوم مشهودفى حياتى، ففيه فقدت أعزالناس، أبى الغالى ،فقدته ولست أدرى هل سيهبنى الله القدرة على الصبر ويمنحنى السلوان؟ رحم الله أبى وغفرله ،يكفينى فخرا أنه مات شهيدا ،والى السماء صعدمحمولا على أكتاف الملائكة، تحوطه هالة نورانية حيث الملكوت الأعلى.
لكن....؟
موته المفاجىء أطاح بى وبمعنوياتى ،فبفقدانه فقدت الصدر الحنون الذى ربانى وغسل ثيابى وأطعمنى بيديه بعدوفاة أمى.
من سيعوضنى عنه؟من سيرشدنى وينصحنى؟من الذى سيعلمنى طريق الخير؟ويوجهنى الى الصواب وطريق الحق؟
لاأحد.........
اننى رغم سنوات عمرى التى تعدت الخامسة والعشرين ،ما زلت بحاجة اليه ،الى والدى ،والى نصائحه لى فى رحلة الحياة
أبى الذى قال لى فى رسالته الأخيرة:
(..............................أن تعيش وسط الاحتلال ،وسط قوم لايعرفون الرحمة شىء قاس...مهين...بشع...مذل...فالاحتلال قاتل للانسان، ولكرامة الشعوب، فهنا ترى المنازل متهدمة، والدماء تلطخ كل شىء، والطرقات مليئة بالخطر...بالرصاص...بالقنابل...مليئة بالموت...الوجوه هنا شاحبة...صفراء...مريضة...خائفة...حيث يعيش الناس هنا صراع مرير...مع الضياع...مع الضعف...الأيام بالنسبة لهم صارت متشابهة ،لا فرق بين الاثنين والجمعة ،كلها صارت سواسية حيث القتلى...حيث القنابل...والرصاص ...والشهداء...والجنازات...
هنا تجد الحزن دق مسماره فى حوائطهم، والانتظار أعياهم...يترقبون مالايجىء!...والأيام تمر...تزحف كزحف السلاحف...وهم ينتظرون...وفى نفسهم ذرة من أمل فى غد أفضل، وان يروا الصباح..ذرة تنمو وتزدادمع الأيام..متطلعة نحومستقبل أفضل ...مستقبل ملىء بالخير...بالحرية...)
وسط هذا البؤس...وسط هذا الشقاء...وسط هذه الظروف الصعبة العصيبة التى ترى فيها الحيوانات قدصارت ألطف من البشر ...مات أبى ،كان صحفيا،استشهدوهويؤدى واجبه،قتلوه وهو ينقل حقيقتهم للناس،اغتالوه وهو يعرض الوجه الأخر للاحتلال ،الوجه المخيف...المرعب،فالاعلام الغربى والصهيونى اعتاد أن يشوه الحقيقة ملقيااللوم علينا نحن العرب والمسلمين.
قال لى(الوطن يحتاجنى ،الوطن العربى يحتاجنا...اليوم..وكل يوم...وغدا...)
عزائى أنه مات شهيدا ،وهويلبى نداء الوطن،وهويؤدى واجبه.
لكن......؟
ألم يكن الأقدر والأولى قتل السفاحين ،القتلة الكاذبين،الخائنين،مصاصى الدماء ،المغتصبون،اللصوص،ناهبى الثروات،الارهابين،الذين لايعرفون معانى الانسانية،الذين هم بلا ضمير، مدمرى العالم، الأخضر واليابس منه،أولئك الذين وطئوا بأقدامهم الدنسة وأيديهم الملطخة بدماء الأبرياء عتبات المقدسات، تلك الأماكن السماوية التى ظلت نبراسا...ونورا ...وشمعة درب للأديان السماوية،هؤلاء الذين شردوا الأطفال ويتموهم ،واغتصبواأمهاتهم، واستولوا على بلدهم ، وهددوا الأبرياء، والعزل، والمدنيين ،الذين قتلوا المصليين فى المساجد وهم يبتهلون الى الله.؟
لقدعلمنى أبى شيئا مهما ألا وهو الكرامة، وأنه لا حياة بلا كرامة، فهل كان من العدل والكرامة أن يموت أبى بتلك الطريقة الغادرة ؟أبى الذى عرفته دائما صريحا، مليئا بالنبل، والشهامة ،والتضحية دون مقابل، ان أبى كان نهرا ملىء بالعطاء، بالخيرات التى لا تنضب، أبى التقى الورع، الذى كان يردد دائما(هى كلمة اذا لم تقلها تمت..هى كلمة الحق...)
لذا لاأستطيع أن أصمت فلقد انتهى زمن الصمت.
وسط ليل طويل حزين كئيب هأنذا أجلس! تمر بى الأيام ودائما تبقى الذكريات ،هناك نجمة وسط سماء مليئة بالنجوم تتمنى معى أن ترى النور وأن يعود التاريخ، ويعود أبى لى، أن تتحد اللحظات والثوانى والدقائق والأيام والقرون والمشاعر ولآلآم والدموع والضحكات فى مشهد واحد
"أبى"
أريد أن أراه ،وأن أرتمى فى أحضانه، أتشمم رائحته ،أشعر بلفح أنفاسه على وجهى !
انها نجمة كالفراشة، والعصفورة، والزهرة ،والأمل، والنسمة الرقيقة،حلم جميل بعيد ،عسير المنال.
لطالما ضحكت منا الأيام، وزادتنا عذابا، ولوعة، فالشمس تشرق وتغرب ،والليل يسدل أستاره على الكون، فلقد ضاع الخير، وزهق الحق، وانتصر الباطل، صغير موحش هذا العالم، اننى لم أعرف مدى قسوة ومرارة اليتم الايوم فقدت أبى، ليتنى أفقد ذاكرتى، ومعها كل صور حياتى ،الجميل منها، والقبيح، الحلو والمر، ليتنى أنسى أجمل أيام عمرى، فأنا مازلت لا أصدق اننى فقدت القلب الطيب المتفانى الى الأبد، ذلك القلب الذى كان يعطى ويعطى بدون ملل أو كلل.
الانسان ذى اليد البيضاء الناصعة النظيفة، المتواضعة التى لم تمد يدها يوما الى ما ليس ملكا لها ،ولم تتطلع لما لا تملكه.
بسؤال صامت فى عينيه نظر لى وهمس (هل تعدنى؟)فهمست له بدورى وأنا أرتعد (أعدك)
فهل أستطيع اكمال رسالته؟
هل سأتمكن من السير على دربه؟
هل سأفى بوعدى له؟
هل....؟
اليوم جمعت جواز سفرى ...صورى...أوراقى ...كاميراتى...حيث سأشد الرحال الى هناك...حيث الاحتلال ...حيث الطامعين...حيث شرذمة من المرتزقة...تتصارع على خيرات الوطن العربى،الى هناك حيث اللاجئين...حيث أزيز الطائرات....وانفجار القنابل والصواريخ ...حيث لا مكان للأحلام الوردية ...سأمضى...
الليلة ستكون ليلتى الأخيرة هنا
أنظر الى تلك الصخرة العجيبة التى أجلس عليها،أفكر فى مصيرى المجهول ،أنظر الى الأمواج الصاخبة ،أشعر بأن البحر يشاركنى همومى،ولوعتى ،وأنه ثائر لثورتى،وأن أمواجه تتصارع وتتسائل مثلى هل سأنجح؟
هل سأفى بوعدى له؟
هل....؟
زياد العربى
طوى الرسالة وفى زجاجة وضعها، وحيث مياه البحر ألا نهائية طوح بهابعيدا،ثم وقف يراقبها وهى تنجرف مع الأمواج بعيدا...بعيدا....
من ثم استدار حمل أغراضه ،وضع حقيبته على ظهره،والى حيث وجهته أسرع الخطى ،ثم حانت منه التفاتة الى الخلف فكرر سؤاله الأبدى:
لماذا حدث هذا؟
لماذا......؟
وهل...؟
هل سأفعلها...؟
هل...؟