الثلاثاء، 18 مايو 2010



بدأ هادئآ .. ابتسامة خفيفة للموجودات .. مرور عابر على الأشياء .. ثم كان الخبر الذى اهتزت عليه البلده .. ( إصطدمت .. و مات )

لم يكن فى مقدورى أن أصدق أو حتى أتوقع أنه من الممكن أن يحدث .. غير أنه حدث لا محاله .. فى جنازته ارتفعت الأصوات بالبكاء آخذة شكل الموج ..

لقد عرفت كل شىء .. نعم كل شىء .. و اختبرت كل اللحظات ....
لحظة الخوف التى تتملكنى فأتداخل كالقنفد الحجرى ..
شعورى المفاجىء باليتم فأتخذ شكل الجنين ببطن أمه ..
لحظة اليأس حين تنقسم روحى أمامى بالمرآة ..
لحظة أن تملنى روحى فتتركنى و تهاجر ..
لحظة الموت فلا أملك معها سوى الصمت ..
غير أنها لم تكن كأى لحظة عرفتها .. فتمنيت لو استطعت للحظه أن أخلع عن وجهى قناع الصرامة و الصمت .. أن أمزق وجهى بيدى .. أن أنهار تمامآ .. أنبش فى الأرض حتى يخرج لى الماء فأغسل ذنوبى و همومى .. تمنيت لو أن أخلع قناع التماسك .. فأبكى كما لم أبك من قبل .. أبكى أيامى و أحلامى و انكسارى و قلة حيلتى ..
تمنيت كل ذلك لكننى لم أفعل منه شيئآ .. بل ظللت مثبتآ القناع .. رافعآ كتفى قليلآ حتى لا يسقط ..
أنا أعرف كل شىء .. نعم كل شىء .. حتى لحظتى التى أموت فيها .. حتى نغمة الأفاق الذى سوف يلقننى إذا سألتنى الملائكة .. أعرفها .. حتى نغمة البكاء فى صوت من يكرهنى و هو رافعآ يده بالدعاء لى أمام قبرى .. حتى النقاش الذى سوف يحدثه موتى على المقاهى أعرفه ..
سيقول أشد الناس إيمانآ بى :" مات و دفن سره معه " ..

أعرف كل شىء .. حتى إن السماء سوف تبول على الخلق يوم أموت .. محققة بذلك رغبة قديمة لى .. نعم أعرف كل شىء .. حتى أننى قست عمرى بخيط رفيع .. أعدمته حين عرفت نهايتى ..

غير أنى وقتها لم أكن أنا الذى يعرفنى..و تساءلت عن معنى( العمر../.. الموت ) و ما بينهما وأنا الذى يعرف كل شىء .. أعرف أن لحظات الإنسان أربع .. ميلاد .. عشق .. حرب .. موت .. و أعرف بأن الموت يأخذ أجمل ما فينا .. و عمر كامل هذا الذى بين أن تترك الورقة غصن الشجر حتى تلامس حافة الأرض .. عمر من الإضطراب .. فلماذا يموت ؟ .. يعطى فرصه للحزن يعمل مثل المحاريث فى القلب ..

أنا أعرف كل شىء .. و كنت قد قرأت فى عينيه يومه الذى يموت فيه .. و عرفت نهايته .. و قد كان .. غير أنى لم أودعه .. لم يمهلنى لأشد على يديه .. لأن أبادله التبغ و الأحاديث .. و أعرف أنه لا يمكن لأى انسان أن يرى الأشياء كما يراها ..و أن ملايين الصور قد ماتت بموته و لا سبيل إلى استعادتها ثانية .. و أن آلاف الأمنيات لا سبيل إلى تحقيقها الآن . . و أن كان من حقه علينا أن نحقق بعضآ من أمنياته .. حتى لو كانت أمنيته أن يغنى وحيدآ .. أو ينظر إلى البحر فيرى من خلاله السماء ..

يموت .. و يبقى الحزن الأبدى عليه ..و على قلة حيلتى ..

مهزومون .. مهزومون بالحياة .. مهزومون بالموت .. نفقد الأحبة واحدآ تلو الآخر .. نفقد جزءآ من أحلامنا و جزءآ من ذكرياتنا .. و جزءآ من الذين ادخرناهم للزمن .. نفقد حتى متعة أن نحقق أحلامنا دون أن نسعدهم بذلك ..
نخاف أن يتوالى التراب حتى يغطى الصور المنزليه فيموتون ثانية ..
معذبون .. معذبون .. نعيش بنصف قلب .. و نصف رأس .. فهم أخذوا بموتهم النصف الآخر .. و أعطيتهم قلبى فما ردوه لى .. يتساقطون واحدآ تلو الآخر .. نفقد فرسآ آخر للرهان .. نعض شفاهنا حزنآ .. نطرق للأرض .. تصدمنا الشوارع .. الشوارع التى ارتفعت فيها ضحكاتنا .. تهاجمنا الكلاب الليلية الضالة .. نطوف بالشوارع الجانبية .. كتمنا فيها أنفاسنا ثم انفجرنا ضاحكين .. نمسح عيوننا من دموع تجمعت فى زوايا العيون .. حبسناها طوال العمر فأفرج عنها من خلال الضحك .. أو فى اللحظات التى نشعر فيها باليتم منفردين ..
نعم .. فقد أخبرنا الأهل منذ نعومة أظافرنا أن الرجال لا يبكون .. نواجه القرية بصدورنا .. ندخل مع الزمن فى صدام .. تبرق العيون قوة و تحدى .. ندير ظهورنا للأحداث .. نلمح البنات الطازجات مثل رائحة البرتقال .. نسرق الفرح عنوه .. نغنى بأصوات أكلها الصدآ .. نسوى ياقات القمصان المتآكلة .. نتحدث .. و نتحدث .. نحاول كثيرآ أن نترك أثرآ .. أن نحدث ضجيجآ .. أن يتأكد الخلق من وجودنا .. و أبدآ لم يكن ذلك ما نقصد .. بل حاولنا أن نتحدى الموت .. لكنه لم يترك لنا فرصة .. يتربص بنا فى كل مكان .. مدسوس فى جيوب السراويل .. يخرج من لعب الأطفال و علب التبغ .. و يموت و نطرق للأرض ثانية .. مهزومون مهزومون ..
أتساءل ثانية : لماذا نحن بالذات ترافقنا الحظوظ السود و الزمن الحقود .. لماذا صارت قلوبنا مقبرة كبيرة بحجم القرية .. ربما بالاتساع الفضائى بين الأرض و السماء .. و صار دواءنا الأوحد هو الموت .. و أنا أعرف كل شىء .. نعم .. كل شىء .
قليل الحظ حتى فى الموت .. جميع من كانوا سيبكون على .. بكيتهم بعمرى .. و أموت .. أصير لا شىء .. نعم أعرف كل شىء .. و الملائكة حين سؤالى سوف يندهشون .. يقطبون جبينهم ..ربما يتألمون حين يكتشفون بأن أحزانى لا زالت عالقة بقلبى .. تتقاذف عليهم من قلبى صور أحبتى طازجة لم تمسها يد ..

و أنا أعرف كل شىء .. فمنذ استقبلتنى يد القابلة فصرخت بوجهها .. فنهرتنى طالبة منى الصمت .. عندها تقبلت كل الأحزان بصمت .. و أنا أعرف أحزانى فهى سر وجودى .. و شهادة ميلادى .. هى بردية خلودى .. أحزانى هائلة كالجبال .. رقيقة مثل نسمات الصيف .. متقلبة مثل الإعصار .. حيية كبراعم الزهور .. سامقة كالنخيل .. و كريمة مثل ماء النيل .. هادئة مثل التراتيل .. و طاهرة كسبحة العابدة ..
يخرج أحبتى من قبورهم .. ينفضون عنهم الأكفان و التراب .. يعودون كعنقاء قد أحرقت ريشها .. نعود فنمرح بالشوارع .. نخرج أصواتآ تحمر لها وجنات البنات الجميلات .. ننفث الدخان الأزرق .. نقتلع الورق الزابل .. مثل الرياح نطهر الحياة من كل العجز و الضعف .. نتقاسم كل شىء .. التبغ .. الرغيف .. السرير .. الكتب .. نتقاسم حتى الموت ..
حتمآ سوف يجيئون

مقطع أهدانى إياه صديق عزيز جدا على قلبى اليوم